ابن عجيبة

397

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

العذاب ، وإنما امتنع وصفها ؛ لتقدم ذكرها ، فإنك إذا ذكرت شيئا ثم كررت ذكره لم يجز وصفه ، كقولك : رأيت رجلا فأكرمت الرجل . فلا يجوز وصفه لما يوهم أنه غيره . ه . الإشارة : أفمن كان مصدقا بطريق الخصوص ، داخلا فيها ، شاربا من خمرتها ، كمن كان فاسقا خارجا عنها ، مشتغلا بنفسه ، غريقا في هواه ، لا يستوون أبدا . أما الذين آمنوا بها ، وصدقوا أهلها ، ودخلوا في تربيتهم ، فلهم جنات المعارف ، هي مأواهم ومعشش قلوبهم ، إليها يأوون ، وفيها يسكنون ، وأما الذين فسقوا وخرجوا عن تربيتهم ، فمأواهم نار القطيعة ، وعذاب الحرص ، وغم الحجاب ، كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ؛ إذ لا خروج منها إلا بصحبة أهلها . وقيل لهم : ذوقوا وبال الإنكار ، وحرمان الخصوصية ، التي كنتم بها تكذبون . قال القشيري : هذا ما يلقون يوم القيامة ، ثم ذكر ما يعجل لهم في الدنيا ، فقال : [ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 21 إلى 22 ] وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 21 ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ( 22 ) يقول الحق جل جلاله : وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى أي : عذاب الدنيا ؛ من القتل ، والأسر في بدر ، أو ما محنوا به من السّنة ، سبع سنين . دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ أي : قبل عذاب الآخرة ، الذي هو أكبر ، وهو الخلود في النار . وعن الداراني : العذاب الأدنى : الخذلان ، والعذاب الأكبر : الخلود في النيران . وقيل : الأدنى : عذاب القبر ، والأكبر : النار . لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ؛ يتوبون عن الكفر . وَمَنْ أَظْلَمُ أي : لا أحد أظلم مِمَّنْ ذُكِّرَ أي : وعظ بِآياتِ رَبِّهِ ؛ القرآن ، ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها أي : تولى عنها ، ولم يتدبر في معناها . و « ثم » ؛ للاستبعاد ؛ فإن الإعراض عن مثل هذه في ظهورها ، وإنارتها ، وإرشادها إلى سواء السبيل ، والفوز بالسعادة العظمى ، بعد التذكر بها ، مستبعد في العقل ، كما تقول لصاحبك : وجدت تلك الفرصة ثم لم تنتهزها - ؛ استبعادا لتركه الانتهاز . إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ، ولم يقل : « منه » ، تسجيلا عليه بإعراضه بالإجرام ، ولأنه إذا جعله أظلم من كل ظالم ، ثم توعد المجرمين ، عامة ، بالانتقام ، دلّ على إصابة الأظلم أوفر نصيب من الانتقام ، ولو قال بالضمير ؛ لم يفد هذه الفائدة . الإشارة : ولنذيقن أهل الغفلة والحجاب ، من العذاب الأدنى ، وهو الحرص والطمع والجزع والهلع ، قبل العذاب الأكبر ، وهو غم الحجاب وسوء الحساب . قال القشيري : قوم : الأدنى لهم : محن الدنيا ، والأكبر : عقوبة العقبى .